ابن الجوزي

298

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فلما دفنه عمرو ووقف الناس بالبقيع فعزوه ، ثم ركب رواحله إلى معاوية ، فقدم عليه فنعاه له ، فاسترجع وتوجع لموته ، ثم قال : هل ترك من دين ؟ قال : نعم ، قال : فكم ؟ قال : ثلاثمائة ألف درهم ، قال : هي عليّ ، قال : قد أبى ذلك وأمرني أن أقضي عنه من أمواله ، أبيع ما استباع منها ، قال : فاعرضني ما شئت ، قال : أنفسها وأحبها إلينا وإليه في حياته ، منزله في العرصة ، فقال له معاوية : هيهات لا تبيعون هذا المنزل ، انظر غيره ، قال : فما نصنع ، نحب تعجيل قضاء دينه ، قال : قد أخذته بثلاثمائة ألف درهم ، قال : اجعلها بالواقية - يريدون درهم فارس ، الدرهم زنة مثقال الذهب - قال : قد فعلت ، قال : فاحملها إلى المدينة ، قال : قد فعلت ، فحملها له ، فقدم عمرو بن سعيد فجعلها في ديونه وحاسبهم بما بين الدراهم الواقية - وهي البعلية - وبين الدراهم الجوار - وهي تنقص في العشرة ثلاثة ، كل سبعة بالبعلية عشرة بالجوار - حتى أتاه فتى من قريش فذكر حقا له في كراع أديم بعشرين ألف درهم على سعيد بن العاص بخط مولى لسعيد كان يقوم لسعيد على بعض نفقاته ، وشهادة سعيد على نفسه بخط سعيد ، فعرف خط المولى وخط أبيه وأنكر أن يكون للفتى - وهو صعلوك من قريش - هذا المال ، فأرسل إلى مولى أبيه الصك فلما قرأه المولى بكى ثم قال : نعم أعرف هذا الصك ، وهو حق ، دعاني مولاي فقال لي وهذا الفتى عنده على بابه ، معه هذه القطعة الأديم : اكتب ، فكتبت بإملائه هذا الحق ، فقال عمرو للفتى : وما سبب مالك هذا ؟ قال : رأيته يمشي وحده فقمت مشيت حتى بلغ باب منزله ، ثم وقفت ، فقال : هل من حاجة ؟ فقلت : لا ، إلا أني رأيتك تمشي وحدك فأحببت أن أصل جناحك ، فقال : وصلتك رحم يا ابن أخي ، ابغني قطعة أديم ، فأتيت خرازا عند باب داره فأخذت منه 122 / أهذه القطعة ، فدعا مولاه هذا فقال : اكتب ، فكتب عن أبيك هذا الكتاب وكتب فيه شهادته / على نفسه ثم دفعه إليّ وقال : يا ابن أخي ، ليس عندنا اليوم شيء ، فخذ هذا الكتاب فإذا أتانا شيء فاتنا به إن شاء الله ، فمات رحمه الله قبل أن يأتيه شيء . قال عمرو : لا جرم ، لا تأخذها إلا وافية ، فدفعها إليه . وروى الزبير من طريق آخر : أن معاوية اشترى العرصة بألف ألف درهم ، وكان دين سعيد ثلاثة آلاف درهم ، فاشترى معاوية العرصة من ابن سعيد بألف ألف ، والنخل بألف ألف ، والمزارع بألف ألف .